مصطفى لبيب عبد الغني

245

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

الغموض ما لا يتهيأ للعليل . ولو كان عاقلا ، أن يحسن العبارة . وأنا حاك لك من ذلك مثالا شاهدته : كان لي صديق من أهل النظر ينشد أشياء من علم الطب أيضا . شكا إلىّ خلفة دائمة ، فوصفت له أشياء ذكر أنه قد استعملها قبل وصفى ، وأشياء بعد وصفي لم تقع بحيث أريد منها . ولما طال به ذلك مدة ترك استيصافى وأقبلنا نلتقى دائما للبحث والنظر . وطال مقامه عندي ، فرأيت أنه إنما يقوم إلى الخلاء قياما متواترا بعقب النوم ، ثم تحتبس الطبيعة وقتا طويلا . فسألته : هل تلك حالة قيامه بعد نومه في الليل ؟ فقال : كذلك هو . فحدست أن شيئا حادا كان ينزل من رأسه إلى معدته ، فهيجها على دفع ما فيها . وذلك أنه كان ما دام جالسا يقظانا ، تبرز دائما . فقدرت أن ذلك الخلط كان ينزل في حال النوم إلى معدته ، فأشرت عليه بحلق الرأس ، ودلكه بدواء الخردل ، فانقطع عنه ذلك الإسهال المزمن الطويل . ولولا طول الالتقاء والمجالسة ، لم يمكن أن يلحق من أمره هذا شئ بتة . - إذا كان الطبيب عالما ، والعليل مطيعا ، فما أقل لبث العلة ، وإن لبثت ، فذلك دليل قوتها وتمكنها . وعند ذلك ينبغي أن يقبل على أصعب علاج ، بعد أن يكون في القوة تحمل لذلك العلاج . - ينبغي للعليل أن لا يكون في الفشل والرخاوة ، ولا الطبيب من الحذر والتوقي في حد يترك معه كل علاج فيه أدنى صعوبة . ولا أن يكون بالعليل من التصابر والحمل على نفسه . وبالطبيب من الجرأة والتهور ما يحمل العليل على العلاج الخطر جدا . لكن يحمل من العلاج ما لم يخف معه أن تنحل القوة . فذاك الحد الذي لا ينبغي أن يتجاوزه ، وربما سأل العليل الفشل الطبيب أن يعطيه دواء محذرا من أدنى وجع يصيبه في بطنه ، أو في عضو آخر . وعند ذلك لا ينبغي أن يفعل الطبيب ذلك - إلا في العلل التي أوجاعها من الحر . فربما آثر العليل الإقدام على كي ، أو قطع ، أو دواء حاد طلبا للراحة من علة قد ضجر بها . وعند ذلك لا ينبغي للطبيب أن يساعده ، إن كان الخطر فيه عظيما .